فخر الدين الرازي

242

تفسير الرازي

قلبه ، فإذا زال الإصرار عن قلبه فبعد ذلك يسمعه الدليل الدال على بطلانه ، فيكون هذا الطريق أقضى إلى المقصود . والأطباء يقولون : لا بد من تقديم المنضج على سقي المسهل فإن بتناول المنضج تصير المواد الفاسدة رخوة قابلة للزوال ، فإذا سقيته المسهل بعد ذلك حصل النقاء التام ، فكذلك ههنا سماع التهديد والتخويف أولاً يجري مجرى سقي المنضج أولاً ، وإسماع الدليل ثانياً يجري مجرى سقي المسهل ثانياً . فهذا هو الفائدة في تقديم هذا التهديد . ثم قال تعالى : * ( إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) * والمراد أن من أصر على الكذب والكفر بقي محروماً عن الهداية ، والمراد بهذا الكذب وصفهم بهذه الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وهم نحتوها وتصرفوا فيها ، والعلم الضروري حاصل بأن وصف هذه الأشياء بالإلهية كذب محض ، وأما الكفر فيحتمل أن يكون المراد منه الكفر الراجع إلى الإعتقاد ، والأمر ههنا كذلك فإن وصفهم لها بالإلهية كذب ، واعتقادهم فيها بالإلهية جهل وكفر . ويحتمل أن يكون المراد كفران النعمة ، والسبب فيه أن العبدة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام ، وذلك المنعم هو الله سبحانه وتعالى وهذه الأوثان لا مدخل لها في ذلك الإنعام فالاشتغال بعبادة هذه الأوثان يوجب كفران نعمة المنعم الحق . ثم قال تعالى : * ( لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار ) * والمراد من هذا الكلام : إقامة الدلائل القاهرة على كونه منزهاً عن الولد وبيانه من وجوه الأول : أنه لو اتخذ ولداً لما رضي إلا بأكمل الأولاد وهو الابن فكيف نسبتم إليه البنت الثاني : أنه سبحانه واحد حقيقي والواحد الحقيقي يمتنع أن يكون له ولد ، أما أنه واحد حقيقي فلأنه لو كان مركباً لاحتاج إلى كل واحد من أجزائه وجزؤه غيره ، فكان يحتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يكون واجب الوجود لذاته ، وأما أن الواحد لا يكون له ولد فلوجوه الأول : أن الولد عبارة عن جزء من أجزاء الشيء ينفصل عنه ، ثم يحصل له صورة مساوية لصورة الوالد . وهذا إنما يعقل في الشيء الذي ينفصل منه جزء والفرد المطلق لا يقال ذلك فيه الثاني : شرط الولد أن يكون مماثلاً في تمام الماهية للوالد فتكون حقيقة ذلك الشيء حقيقة نوعية محمولة على شخصين ، وذلك محال لأن تعيين كل واحد منهما إن كان من لوازم تلك الماهية لزم أن لا يحصل من تلك الماهية إلا الشخص الواحد ، وإن لم يكن ذلك التعيين من لوازم تلك الماهية كان ذلك التعيين معلوماً بسبب منفصل ، فلا يكون إلهاً واجب الوجود لذاته . فثبت أن كونه إلهاً واجب الوجود لذاته يوجب كونه واحداً في حقيقته ، وكونه واحداً في حقيقته يمنع من ثبوت الولد له ، فثبت أن كونه واحداً يمنع من ثبوت الولد الثالث : أن الولد لا يحصل إلا من الزوج والزوجة والزوجان لا بد وأن يكونا من جنس واحد ، فلو كان له ولد لما كان واحداً بل كانت زوجته من جنسه ، وأما أن كونه قهاراً يمنع من ثبوت الولد له ، فلأن المحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيحتاج